أحمد مصطفى المراغي

46

تفسير المراغي

وقد ورد في تواريخ أكثر الأمم القديمة ذكر الطوفان ، منها ما هو موافق لما في سفر التكوين ، ومنها ما هو مخالف له ؛ فروى اليونان خبرا عن الطوفان أورده أفلاطون قال : إن كهنة المصريين قالوا لسولون ( الحكيم اليوناني ) إن السماء أرسلت طوفانا غيّر وجه الأرض ، وروى عن قدماء الفرس طوفان أغرق اللّه به الأرض بما انتشر فيها من الفساد والشر بفعل ( اهريمان ) إله الشر ، وقالوا إن هذا الطوفان فار أولا من تنور العجوز ( زول كوفه ) إذ كانت تخبز خبزها فيه ، ولكن المجوس أنكروا عموم الطوفان وقالوا إنه كان خاصا بإقليم العراق وانتهى إلى حدود كردستان . عمر نوح عليه السلام جاء في الكتاب الكريم في سورة العنكبوت : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ » . وجاء في سفر التكوين نحو من هذا ، وقد اشتبه الأمر على الناس في أزمنة مختلفة حتى زعم بعضهم أن السنة عند المتقدمين أقل من السنة عند أهل القرون المعروفة بعد تدوين التاريخ ، ولا دليل على هذا . والذي يظهر أن أعمار آدم وذريته إلى ما قبل الطوفان أو قبل ما كشف من آثار التاريخ لا تقاس بما عرف بعد ذلك ، لأن معيشة الإنسان الفطرية كانت أسلم للأبدان وأقل توليدا للأمراض : وقول اللّه هو الحق ويجب الإيمان به على كل حال ، قال الشاعر : نجيت يا رب نوحا واستجبت له * في فلك ماخر في اليمّ مشحونا وعاش يدعو بآيات مبيّنة * في قومه ألف عام غير خمسينا قصة هود عليه السلام [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 50 إلى 52 ] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ( 50 ) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 51 ) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 )